ملاحظات نقدية حول عقوبة الإعدام:
بداية أعتبر أن أحكام الإعدام التي أصدرها "القضاء"المصري في حق 529مواطنا مصريا جلهم ينتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين المنحل،يفترض أن تمثل صدمة للضمير الإنساني العالمي ويبدو أن الواقعة لم ترقى إلى هذا المستوى حتى بالنسبة لبعض الإسلاميين،ولكن المقلق أكثر هو وجود بعض المواقف التي تبرر أحكام الإعدام وتشرعنها تحت مسوغات مختلفة بل إن البعض لم يكتف بوقاحة إعلان تشفيه في ضحايا هذه الأحكام بل مر إلى مهاجمة الرافضين لأحكام "القضاء "المصري وإزاء ذلك سأسوق جملة من الملاحظات النقدية:
أولا: مايحدث في مصر يهمنا في تونس بصفة مباشرة،ومثلما فرحنا بثورة 25يناير وإعتبرنا الحركة الشعبية والعسكرية في 30يونيو وإسقاط حكم الإخوان تصحيحا لمسار الثورة المصرية،فإن أحكام الإعدام الأخيرة تمثل زلزالا أخلاقيا لا يخص المصريين وحدهم بل إن تداعياته السياسية تشملنا كتونسيين بصفة مباشرة.
ثانيا: ماوقع في مصر ليس مجرد حدث عرضي أوحادث إستثنائي بل هو حلقة جديدة من حلقات المخاض الثوري والسياسي المتعثر والمحفوف بالمخاطر والذي يضع ثورة 25ينايرـ30يونيو موضع شكوك بالغة خاصة مع بدأ إنتقال السلطة إلى العسكر.
ثالثا: لم يسبق في التاريخ القديم والوسيط والمعاصر أن أصدرت محكمة مدنية مثل هذا العدد المريع من أحكام الإعدام.
رابعا: أحكام الإعدام الصادرة ليست مسألة إجرائية حتى نبسطها في عبارات من قبيل حكم إبتدائي أو رفض المرافعة أو رأي المفتي إستشاري أو إن جل الأحكام صدرت غيابيا.. كما إن الأمر لايتعلق بالمحاكمة العادلة ولا بسرد حيثيات الجرائم التي إرتكبها المتهمون فعواطف ضحايا الجريمة ليست قرائن قضائية ولا حججا وجيهة للدفاع عن حكم قضائي غير عادل أصلا وشكلا.
هذه الملاحظات التمهيدية تقودنا إلى الحديث في بعض المبادئ السياسية وأهمها:
هذه الملاحظات التمهيدية تقودنا إلى الحديث في بعض المبادئ السياسية وأهمها:
أــ الديمقراطية الحقيقية تقوم على الإدماج وليس على الإقصاء،وإعتماد القضاء كآلية سياسية لتصفية الخصوم سياسيا وجسديا،لا يبني ديمقراطية ولا يحفظ هيبة الدولة ولا يحمي الثورة بل يعمق االفجوات ويزيد في تمزيق الوحدة الوطنية ويخلق مناخا للخوف الذي يغذي الديكتاتورية ويستدعي المزيد من الدم ويؤجل الديمقراطية أو يقبرها في المهد.
ب ــ المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام وبأحكام الإعدام هي مسألة مبدئية وأساسية بالنسبة للقوى اليسارية والتقدمية عموما على إعتبار أن النضال الحقوقي هو جبهة من جبهات النضال ضد الرأسمالية المتوحشة التي سنت أحكام الإعدام لتصفية الشيوعيين في ألمانيا وإطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وآلية عنصرية لإعاقة تحرر السود.
ج ــ عقوبة الإعدام من زاوية تاريخية تنتمي إلى منظومة تشريعية وسيطة لاهوتية مارست من خلالها الكنيسة ودور الإفتاء في العالمين المسيحي والإسلامي إرهاب الدولة ضد المجتمع وهي تنتمي إلى جيل الحرق في الساحة العامة والنفي والحبس(enfermement)والجلد والرجم وقطع اليد...وهي عقوبات متخلفة أخلاقيا لأنها تستند إلى فكرة إحتقار الجسد وإعتبارها مصدرا للخطيئة والشرور والرذائل،ومتخلفة سياسيا لأنها أعتمدت كآلية للوقاية من التمرد،و لايليق بنظام ديمقراطي معاصر أن يبقي على هذه العقوبة.
د ــيمكن للمجتمع أن يرتكب جرائم القتل وينبغي أن يعاقب المجرمون ولكن الدولة لاتقتل إلا في حالة الحرب وعندما يحدث هذا فينبغي أن يعتبر جريمة دولة وعندما القضاء أداة فنحن أمام جريمة مزدوجة سياسية وقضائية ولكنها جريمة مسكوت عنها ولعل الفكر البشري مازال لم يرتقي إلى إدراك هذا الأمر ولكن لتنتذكر كيف أن الرومان كانوا ينظمون عمليات الإعدام داخل مسارح في عروض فرجوية وكان الناس يعتبرون ذلك بديهيا كما كان أرسطو يعتبر العبودية أمرا طبيعيا ولكن منع عروض القتل المسرحي للثيران في إسبانيا يمثل علامة على تقدم الفكر ببطء لامحالة.
هـ ــ من الناحية السياسية من يقبل بعقوبة الإعدام لأنها تزيح خصمه في الصراع على السلطة ينبغي أن يدرك أنه فقد الحق في نقدها أو رفضها عندما يكون هو ضحية لها كما ينبغي أن يدرك أن منع الإخوان من الوصول إلى السلطة لايكون بالتصفية الجسدية وإنما بفضح مشروعهم الرجعي الرأسمالي العميل أمام الجماهير الشعبية التي يظللونها بالدعاية الدينية ويخدعونها بتجارة المقدس.
ملاحظة أخيرة :قد يغضب بعض أصدقائي من هذا الموقف ولكن مع إحترامي لأشخاصكم فإني أعتبر رفضي لعقوبة الإعدام مسألة مبدئية لاتخضع للهوية السياسية أو الفكرية لضحيتها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق